عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

154

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

فلا يمكنه البسط في كلام البتة البتة ، فلا يتكلم الملك في الحضرة إلا كلمة واحدة ، فأوّل من يتلقى الأمر من الحق هذا الملك ، ثم يوجه إلى غيره من الملائكة ، فهم الجند ، فإذا أمر بنفوذ أمر في العالم خلق اللّه منه ملكا لائقا بذلك الأمر فيرسله الروح ، فيفعل الملك ما أمره الروح به ، وجميع الملائكة المقربين مخلوقون منه مثل إسرافيل وجبريل وميكائيل وعزرائيل ، ومن هو فوقهم كالملك المسمى بالنون ، وهو الملك القائم تحت اللوح المحفوظ ، كالملك المسمى بالقلم ، وسيأتي بيانه في تلو هذا الباب ، والملك المسمى بالمدبر وهو الملك القائم تحت الكرسي ، والملك المسمى بالمفضل وهو القائم تحت الإمام المبين ، وهؤلاء هم العالون الذين لم يؤمروا بالسجود لآدم ، حكمة إلهية ، فلو أمروا بالسجود لآدم لعرفهم كل أحد من ذريته ، ألا ترى إلى الأملاك لما أمروا بالسجود لآدم كيف ظهروا على كل من بني آدم فتتصور لهم في النوم بالأمثال الإلهية التي يظهر بها الحق للنائم ، فتلك الصور جميعها ملائكة للّه فتنزل بحكم ما يأمرها الملك الموكل بضرب الأمثال فتصوّر بكل صور للنائم ، ولهذا يرى النائم أن الجماد يكلمه ولو لم يكن روحا متصوّرا بالصورة الجمادية لم يكن يتكلم ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « إن الرؤيا الصادقة وحي من اللّه » « 1 » وذلك أن الملك ينزل بها . وقال : « إن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » الحديث « 2 » ؛ ولما كان إبليس عليه اللعنة من جملة المأمورين بالسجود لآدم ولم يسجد أمر الشياطين وهم نتيجة وذريته أن يتصوروا للنائم بما يتصور به الملائكة ، فظهرت الرؤيا الكاذبة ، والحاصل من هذا الكلام جميعه أن العالين لم يؤمروا بالسجود لآدم ، ولهذا لم يتوصل إلى معرفتهم إلا الإلهيون من بني آدم منحة إلهية بعد الخلوص من الأحكام الآدمية وهي المعاني البشرية ، ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى لإبليس : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ « 3 » يعني أن العالين لا سجود عليهم . وقد ذكر الإمام محيي الدين بن العربي هذا المعنى في الفتوحات المكية ، ولكنه لم ينصّ على أحد أنه من العالين ، ثم استدل بهذه الآية . واعلم أنه لا يصح حمل السؤال من الحق تعالى على الاستفهام ، فهو من

--> ( 1 ) بنحوه : البخاري 4 / 152 ، ومسلم في : الرؤيا : في المقدمة : حديث ( 4 ) ، وأحمد 5 / 303 . ( 2 ) البخاري 9 / 38 - 39 ، وابن ماجة ( 3893 ) ، وأحمد 3 / 126 . ( 3 ) آية ( 75 ) سورة ( ص ) .